العودة للخلف

(التاسع) شهر رمضان، وذكر الله تعالى

تاريخ النشر: 20 / 02 / 2026
: 2

شهر رمضان، وذكر الله تعالى

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإنَّ شهر رمضان المبارك موسمٌ للتنافس في الأعمال الصالحات، وزمان جدير بالاجتهاد في جمع الحسنات، فهو شهر الخيرات والبركات، ومضاعفة الأجور والحسَنات، فيه تتنزّل الرحمات الربانية، وتتجلَّى النفحات النورانية.

ولا شكّ أنَّ الصائمَ في هذا الشهر بحاجةٍ إلى ما يُعينه على المُسَارعة إلى المبرَّات، وما يحبِّبُ إلى قلبه السّعْيَ إلى مرضاةِ ربِّ البريات.

وذِكْرُ اللهِ تعالى والأُنس به، مِن خَير ما يُعين المُسلم ويقوّيه، فهو للعبد في طاعاته مَدَد، وهو له في سَيْرهِ إلى ربه سَنَد.

فالذِّكْر روضةُ الجنة، ومجالِسُه رياضُ الجنة كما ثبت عن نبيِّنا عليه الصلاة والسلام([1]).

قال العلَّامةُ الصنعاني رحمه الله: «سمَّاها رياض الجنة لأنها سبب لسُكونها، أو لأنه يحصُل بها من الارتياح وانتشاط القلب واطمئنانه به ما يحصُل لأهل رياض الجنة، كما قال بعضُ الصالحين: إنها لتمرُّ بي ساعاتٌ، أقول: إنْ كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه إنهم لفي عيشٍ طيِّب»([2]).

وذِكْرُ الله يقوِّي الإيمان، وقد ورد في مصنف ابن أبي شيبة عن الأسود بن هلال: قال كان معاذ رضي الله عنه يقول لرجل من إخوانه: (اجلس بنا فلنؤمن ساعة، فيَجلسان يتَذَاكران الله ويَحمدانه)([3]).

وقوله: نؤمن: أي نزداد إيمانًا، ونستعين بالذِّكْر على قوة الإيمان وثباته.

وكم في ذكر الله تعالى من السكينة والطمأنينة وراحة البال والأنس بالله تعالى، روى أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي قال: «ما اجتمع قومٌ فِي بيتٍ مِن بُيُوتِ الله يتلُون كِتاب الله ويتدارسُونهُ بينهُم إِلّا نزلت عليهِم السّكِينةُ، وغشِيتهُم الرّحمةُ، وحفّتهُم الملائِكةُ، وذكرهُم الله فِيمن عِنده»([4]).

وفي هذا الحديث العظيم من فوائد ذكر الله تعالى وثماره ما يلي:

أولا: نزول السكينة على الذاكرين لله تعالى.

قال الإمامُ ابنُ القيم رحمه الله: «السَّكينة فعيلة من السُّكون وهو: طمأنينة القلب واستقراره وأصلها في القلب ويظهر أثرها على الجوارح.

وثمرةُ هذه السكينة: الطمأنينة للخبر تصديقًا وإيقانًا، وللأمر تسليمًا وإذعانًا، فلا تدَعُ شُبهةً تُعارض الخبرَ، ولا إرادةً تعارض الأمْرَ، ليقْوى إيمانُه، ويعْلو عند الله ميزانُه، بمُدافعتها وردِّها وعدم السُّكون إليها، فهي تُوجب له زيادة الإيمان، وقوَّة اليقين والثبات، ولهذا أخبرَ سُبحانه عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين، في مواضع القلق والاضطراب: كيوم الهجْرة إذ هو وصَاحبه في الغار والعدوّ فوق رؤوسهم، وكيوم حنين، وكيوم الحديبية»([5]).

والصائم بحاجة إلى هذه السكينة في قلبه في شهر الصيام والقيام والقرآن والصدقة.

ثانيا: تحفهم الملائكة وتحيط بهم، وقد قال رسول الله : «لا يقعُدُ قومٌ يذكُرُون الله عزّ وجلّ إِلّا حفّتهُم الملائِكةُ»([6]).

ثالثا: أن تغشاهم الرحمة، كما يغشى اللباسُ لابسَه، والليلُ النهارَ، وبذلك يحصُل لهم تكفير السيئات، ورفعة الدرجات، والوصول إلى الجنات([7]).

رابعا: أنْ يذكرهم الله في ملأ خير، كما قال رسول الله : «قال الله عز وجل: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ»([8]).

ومن فضائل ذكر الله تعالى : أنه حِرزٌ حريزٌ للصائم من الشَّيطان، وحِصنٌ حصينٌ له من وَساوسِه وخطَراتِه، ونزغاته، وتزيينِهِ وخُطُواتِه.

كما في حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «وَآمُرُكُم أَن تَذكُرُوا الله فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصنٍ حَصِينٍ فَأَحرَزَ نَفسَهُ مِنهُم كَذَلِكَ العَبدُ لَا يُحرِزُ نَفسَهُ مِن الشَّيطَانِ إِلَّا بِذِكرِ الله»([9]).

ومن فضائل الذِّكْر: ما أخرجه مسلم 2698 عَنْ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ فَقَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ، كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟» فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: «يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ».

ومن فضائل الذِّكْر: ما في صحيح مسلم 596 عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أنَّ رَسُول اللهِ قَالَ: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً».

وذِكْرُ الله تعالى مِن أعظم أسباب الرزق، كما في حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله قال: «إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ، كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً، قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ»([10]).

* وإذا كان شهر رمضان فرصة لاغتنام الأعمال الصالحات فإنَّ ذكر الله تعالى من التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير والحوقلة ونحو ذلك من أجل الأعمال الصالحات.

فقد روى أبو الدرداء رضي الله عنه أنَّ النبي قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا في دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ» قالوا: بلى قال: «ذِكْرُ الله» رواه الترمذي([11]).

ومن أدلة كون الذِّكْر مِن أحبِّ العمل إلى الله قوله : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ» متفق عليه([12]).

وفي صحيح مسلم 2137 عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ. لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ».

وفي صحيح مسلم 2695 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «لَأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ».

فعلى المسلم أنْ يستغلَّ وقتَه في ذكر الله تعالى، في صباحه ومسائه وسائر وقته، قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: 41]

وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41-42] ، وقال سبحانه: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191].

نسأل الله تعالى أنْ يجعلَنا من الذاكرين الذين أعدَّ لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا.

والحمد لله رب العالمين.



([1]) حديث حسن أخرجه الترمذي 3510 وأبو يعلى 3432 وغيرهما.

([2]) التنوير شرح الجامع الصغير 2/ 215 216.

([3]) المصنف» 11/ 25 وسنده صحيح.

([4]) أخرجه مسلم 2699.

([5]) إعلام الموقعين 4/202، مدارج السالكين 2/503. بتصرف.

([6]) أخرجه مسلم 2700.

([7]) انظر: مجموع الفتاوى 12/ 250.

([8]) البخاري 7405 ، ومسلم 2675.

([9]) مسند أحمد 17170 ، وانظر الجامع الصحيح 1946.

([10]) مسند أحمد 6583 . وانظر: الجامع الصحيح 1651 .

([11]) جامع الترمذي 3377 ، وهو في الجامع الصحيح 1618 .

([12]) البخاري 7563 ، ومسلم 2694.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح